على رصيف إب... نام الأب جائعًا، واستيقظ الوطن يتيمًا!"
في الصورة، لا تحتاج إلى شرح طويل. رجلٌ ملقى على الرصيف، جسده هامد، عيناه مغمضتان إلى الأبد، وعلى بُعد سنتيمترات فقط، يجلس طفل صغير يُحدّق في الفراغ، كأنما يحاول أن يفهم ما لا يُفهم: لماذا نام والده ولم يستيقظ؟ ولماذا لا أحد يلتفت إليهما في هذا العيد؟
ليست هذه صورة من مخيمات اللاجئين في دولة منكوبة، بل من أحد شوارع الجمهورية اليمنية، محافظة إب، في خامس أيام عيد الفطر، وقد خلت من كل مظاهر المسؤولية، ما عدا جبروت الاحتلال الإيراني وميليشياته. لا أحد يهتم بتحريرها… لا رئيس، لا أعضاء مجلس قيادة، لا وزراء، لا حكومة، لا برلمان، ولا شورى. الجميع خارج الوطن. يقضون العيد بين الفنادق الفارهة، والمولات الحديثة، والحدائق النظيفة، مع أطفالهم وعائلاتهم، بينما يموت المواطنون على الأرصفة.
في وطن يتصدّر مشهد القيامة، لا تسأل عن مؤسسات، ولا تسأل عن دولة. هنا يموت الأب جوعًا، ويجلس ابنه إلى جواره حائرًا، في بلد يُقال إنه يملك شرعية ورئاسة وحكومة. أي شرعية هذه التي لم ترَ هذا المشهد؟ أو رأته وأدارت ظهرها؟ أي قادة هؤلاء الذين يرون أبناء شعبهم يُسحقون، ولا يتحرك فيهم ضمير، ولا شرف، ولا نخوة؟
المشهد لا يختزل فقط أزمة إنسانية، بل هو إعلان صارخ عن فشل سياسي مدوٍّ. فشلٌ نتج عن تمديدٍ متعمّد لأمد الحرب، وعن تعطيلٍ متواصل لتحرير صنعاء، خدمةً لمشاريع إقليمية ودولية تريد إبقاء اليمن تحت الاحتلال الإيراني، ساحةً مستباحة، لا منتصر فيها إلا الفقر والموت.
في هذا العيد، لم يمت الرجل وحده، بل ماتت معه بقايا الأمل، وماتت فكرة الدولة، وسقطت آخر ورقة توت كانت تستر خيبة من يدّعون أنهم يمثلون الشعب. إنهم خارج الوطن، لأنهم لا يشعرون أنه وطنهم. يعيشون في الخارج، لأن الداخل بات قبرًا مفتوحًا لكل من يرفض بيع الوطن والضمير، ولا يملك واسطة، أو حصانة، أو حسابًا مصرفيًا في الرياض أو القاهرة أو إسطنبول أو الدوحة أو مسقط أو أبو ظبي.
أي قيادة تقبل أن يكون أحد مواطنيها جثةً على رصيف، وابنه جالسًا إلى جواره، بينما هي مشغولة بإجازاتها وترفيه أطفالها؟
أي شرف تبقّى في سلطة لا تعرف من مسؤوليتها إلا بيانات التعازي وابتسامات البروتوكول؟
ما يحدث في اليمن اليوم ليس مجرد فشل… إنه خيانة.
خيانة لكل شهيد، لكل جائع، لكل أم فقدت ابنها، ولكل طفل بات يتيمًا قبل أن يعرف معنى الحياة.
ومن يقبل أن يبقى خارج الوطن في هذه اللحظة الحرجة، فقد تخلى عن واجبه، وتنازل عن كرامته، وسلم روحه للعار.
فيا من تحكمون ولا تعيشون بين الناس… عودوا إلى أرضكم، قاتلوا من أجلها، أو ارحلوا بصمت، فقد ملّكم الشعب، وسئم وعودكم، وكره وجوهكم التي لا تعرف سوى الاستعراض في الخارج، بينما الوطن يحتضر في الداخل.
لعنة الله، ولعنة الشعب، على كل مسؤول يرضى لنفسه أن يعيش خارج الوطن، بعيدًا عن معاناة الناس، ولا يعود ليقود معركة التحرير والكرامة.